السيد كمال الحيدري
331
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
العين على الشيء ، ولا ريب بأنَّ لهذا الأمر الاضطراري علله ودواعيه ، ولكنه لا يحصل بالإكراه ، بل ليس لأحد إيجاد الغرض القلبي التكويني بالإكراه عليه . قال الطبرسي بعد أن ذكر عدَّة وجوه كان أهمّها الأخير ، وهو قوله : ( إنَّ المراد ليس في الدين إكراه من الله ، ولكن العبد مخيَّر فيه ، لأنَّ ما هو دين في الحقيقة ، هو من أفعال القلوب ، إذا فعل لوجه وجوبه ، فأما ما يُكره عليه من إظهار الشهادتين ، فليس بدين حقيقة ، كما أنَّ من أُكره على كلمة الكفر لم يكن كافراً ، والمراد الدين المعروف ، وهو الإسلام ، ودين الله الذي ارتضاه ) « 1 » . نعم ، للباري جلَّت قدرته إكراه الناس على الأمر التكويني ، فله أن يُوجد الحالة الإيمانية ، كما له أن يُزيل ذلك ، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ( يونس : 99 ) ، أي : إنَّ المشيئة التكوينية القاضية بهدايتهم جميعاً لم تقع مني ، فكيف بمن لا يملك ذلك لهم يطلب هدايتهم تكويناً فيجعلهم مؤمنين ، إنما الأمر مقرون بسلطة تكوينية من الله تعالى وحده ، ومقرون أيضاً باختيار الإنسان ، وقد رجَّح الله تعالى اختيار الإنسان لدينه على اضطراره لذلك تكويناً ، هكذا جرت حكمته في الخلق ، وما ذلك إلا لسببين مهمّين ، الأوّل هو الحرص على تكريم الإنسان ورفع مكانته في الوسط الإمكاني ، وأما الثاني فسيأتي عمَّا قريب . إذن فأصل الاعتقاد أمر جوانحي لا ينسجم إلا مع اختيار الإنسان وحده ، لا مع إجباره وإكراهه عليه ، فإذا ما حصل الحبّ لشيء أو البغض له ، أو وقع القبول القلبي لشيء أو الرفض له ، فللإنسان أن يُحدِّد حركته الخارجية
--> ( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 161 . .